من بابل إلى مكة: قراءة في سورة البقرة (100-125) وتأسيس المناعة العقدية
مقدمة: حينما تتشابه القلوب
في خضم الصراع الدائم بين الحق والباطل، تأتي آيات سورة البقرة لترسم لنا خريطة واضحة لطبيعة النفس البشرية حينما تزيغ عن الحق. في هذا المقطع القرآني المهيب (من الآية 100 إلى 125)، نحن لا نقرأ تاريخاً مضى، بل نقرأ واقعاً يتكرر.
سنغوص اليوم في أعماق ثلاثة محاور كبرى غيرت وجه البشرية: قصة السحر في بابل وبراءة الأنبياء، جدلية النسخ والتشريع، وأخيراً تأسيس القبلة الإبراهيمية ومعنى الإمامة الحقيقية. استعد لرحلة تزيدك يقيناً وثباتاً.
المحور الأول: سيكولوجية النقض والهروب من الحقيقة
يبدأ القرآن بتشخيص مرض "خيانة العهود". العجيب هنا أن القرآن يصف فعلهم بـ "النبذ وراء الظهور"، وهو تعبير يصور الإهمال المتعمد والاحتقار للحقائق رغم العلم بها. إنها ليست مشكلة جهل، بل مشكلة كبر.
قال الله تعالى في وصف هذا الحال:
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)﴾
المحور الثاني: الملف الشائك.. فتنة السحر وبراءة سليمان
تعتبر هذه الآيات من أخطر وأهم الآيات التي كشفت عالم السحر السفلي. هنا يضع القرآن حداً للأساطير التي اتهمت نبي الله سليمان بالكفر والسحر. الآيات تقرر قاعدة عقدية هامة جداً لطمأنينة كل مسلم: السحر موجود، لكن تأثيره معدوم إلا بإذن الله.
فلا هاروت ولا ماروت، ولا سحرة بابل، يملكون تحريك ساكن إلا بمشيئة الله القاهر.
اقرأ النص القرآني الكامل لقصة بابل:
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)﴾
المحور الثالث: أدب الخطاب وحكمة النسخ
ينتقل السياق ليربي المجتمع المسلم على الاستقلالية حتى في المصطلحات، منهياً عن استخدام كلمات تحتمل الإساءة (مثل راعنا) واستبدالها بكلمات واضحة (انظرنا). ثم يقرر مبدأ "النسخ" ليثبت طلاقة قدرة الله في التشريع، فالله لا ينسخ آية إلا ليأتي بما هو خير منها أو مثلها، لحكمة تقتضيها مصلحة العباد.
يقول الحق سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)﴾
المحور الرابع: الحسد الديني والطريق الحقيقي للجنة
يحذر الله المؤمنين من كثرة الجدال كما فعل بنو إسرائيل، ويكشف عن "الحسد" الذي يملأ قلوب الكفار تجاه المؤمنين. ولكن، ما هو الرد القرآني على هذا الحسد؟ هل هو الانتقام؟ لا، بل "العفو والصفح" والاشتغال بالبناء الذاتي عبر الصلاة والزكاة. كما تحطم الآيات خرافة احتكار الجنة لطائفة معينة، وتضع المعيار الخالد: "الإسلام والإحسان".
تأمل هذه الآيات الفاصلة:
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)﴾
المحور الخامس: الخلافات وعظمة المساجد
تستعرض الآيات حالة التخبط بين أهل الكتاب، حيث يكفر بعضهم بعضاً. وفي المقابل، تشنع الآيات أعظم تشنيع على من يمنع ذكر الله في المساجد أو يسعى في خرابها، فهؤلاء توعدهم الله بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، مؤكدة أن الله لا يحده مكان، فالمشرق والمغرب له.
يقول الله تعالى:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (117)﴾
المحور السادس: مهمة النبي وإرث إبراهيم
تختتم هذه الجولة القرآنية بتطمين النبي ﷺ بأنه أرسل بالحق، وبأن رضا الجاحدين غاية لا تدرك ولا تلزم. ثم نعود إلى الجذور، إلى إبراهيم عليه السلام الذي نال الإمامة بـ "العمل والابتلاء" لا بالنسب، وبنى البيت ليكون مثابة للناس وأمناً.
الآيات الختامية لهذا المقطع:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (123) وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)﴾
خاتمة المقال:
إن قراءة هذه الآيات بتدبر تمنحنا "بوصلة" في زمن التيه. تعلمنا أن العبرة بالخواتيم، وأن الإمامة في الدين تُنال بالصبر واليقين واجتياز الابتلاءات، كما فعل إبراهيم عليه السلام. فلنحذر من أمراض القلوب التي أهلكت من قبلنا، ولنتمسك بحبل الله المتين.
💬 شاركنا رأيك: ما هي الآية في هذا المقطع التي تركت الأثر الأكبر في نفسك؟ اكتب لنا في التعليقات.
بقلم: هداية القرآن
العراق بغداد
نوفمبر 2025

تعليقات
إرسال تعليق
بسم الله الرحمن الرحيم
مرحبًا بك في هداية القرآن
نرحب بكل تعليقٍ يُثري الحديث، أو يحمل سؤالاً، أو حتى كلمة شكر. سيتم نشر تعليقك بعد مراجعته إن شاء الله، حرصًا على طهارة المكان واحترام القارئ الكريم.
> جزاك الله خيرًا، وجعل هذا الموقع سببًا في نفعك ونفع غيرك.