مقدمة: المرآة التي نخشى النظر فيها
حين نقرأ قصص بني إسرائيل في سورة البقرة، نحن لا نقرأ تاريخاً غابراً لقوم بادوا، بل نقرأ "الكتالوج" النفسي لأخطاء البشرية المتكررة.
في الآيات من 50 إلى 75، يضعنا القرآن أمام مشاهد متناقضة عجيبة: قوم أنجاهم الله بمعجزة، فعبدوا عجلاً! وقوم أتاهم الرزق من السماء، فطلبوا البصل والثوم! وقوم أُمروا بذبحة بقرة، فحولوا الأمر البسيط إلى لغز معقد.
في هذا المقال، سنفكك هذه المشاهد لنفهم كيف تتحول "النعم" إلى "نقم" حينما تفسد القلوب، وكيف يصبح "الجدال" سبباً في قسوة القلوب حتى تغدو كالحجارة.
المشهد الأول: انتكاسة الفطرة.. من شق البحر إلى عبادة العجل
تفتتح الآيات بمشهد النجاة العظيم، حيث انفلق البحر. المنطق يقول إن من يرى هذه المعجزة لا يكفر أبداً، لكن النفس البشرية المريضة سريعة النسيان. بمجرد غياب المصلح (موسى عليه السلام) لأربعين ليلة، عادت الفطرة للانتكاس وعبدوا العجل.
هنا نتعلم درساً قاسياً: الإيمان العاطفي الذي لا يبنيه العلم واليقين، ينهار عند أول اختبار.
وكانت توبتهم شاقة جداً (قتل النفس)، ليعلمنا الله أن ضريبة الشرك باهظة، وأن تطهير الصف المسلم أهم من تكثير عدده.
الآيات الكريمة (50-54):
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)﴾
المشهد الثاني: المادية الطاغية (لن نؤمن حتى نرى)
لم يكتفوا بالمعجزات الحسية، بل سيطرت عليهم "المادية"، فطلبوا رؤية الله جهرة! فكان الرد الصاعق بالموت ثم البعث.
ثم تتجلى دناءة الهمة في أقصى صورها في قصة الطعام. الله يرزقهم "المن والسلوى" (طعام أهل الجنة، سهل ولذيذ)، وهم يطلبون "الثوم والبصل والعدس"!
هذا الاستبدال (الأدنى بالخير) ليس مجرد قصة طعام، بل هو رمز لكل إنسان يترك القيم والمبادئ العليا (الخير) ليركض خلف شهوات الدنيا الفانية (الأدنى). فكانت النتيجة الحتمية: الذلة والمسكنة.
الآيات الكريمة (55-61):
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)﴾
المشهد الثالث: الاحتيال على الله (قصة أصحاب السبت)
تنتقل الآيات لتعالج قضية "الالتفاف على الشرع". في قصة أصحاب السبت (التي أشارت إليها الآيات بإيجاز هنا)، نرى قوماً حرم الله عليهم الصيد يوم السبت، فنصبوا الشباك يوم الجمعة ليأخذوها الأحد!
هم ظاهرياً لم يصطادوا يوم السبت، لكنهم حقيقةً خالفوا أمر الله. فمسخهم الله قردة خاسئين.
الدرس المخيف هنا: الله ينظر إلى القلوب والمقاصد، لا إلى الحيل والأشكال. والتحايل على الحرام أشد عند الله من ارتكابه بوضوح، لأنه استهزاء بالشرع.
الآيات الكريمة (62-66):
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (66)﴾
المشهد الرابع: سيكولوجية المماطلة (قصة البقرة)
نصل الآن إلى القصة التي سُميت السورة باسمها. جريمة قتل غامضة، والحل بسيط: "اذبحوا بقرة". أي بقرة كانت ستفي بالغرض. لكنهم فتحوا باب "التنطع" والأسئلة غير الضرورية (ما هي؟ ما لونها؟).
هذه القصة تعلمنا قاعدة ذهبية: "التشدد يجلب المشقة". كلما شددوا بأسئلتهم، شدد الله عليهم في المواصفات، حتى كادوا يعجزون عن إيجادها.
إنها قصة كل إنسان يماطل في التوبة، ويسأل عن التفاصيل ليهرب من العمل.
تأمل تفاصيل الحوار والجدال:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَن أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)﴾
المشهد الخامس: أخطر عقوبة (قسوة القلب)
ما هي نتيجة كل هذا الجدال والعناد ومشاهدة المعجزات ثم نسيانها؟ النتيجة ليست الفقر ولا المرض، بل ما هو أشد: قسوة القلب.
يصف الله قلوبهم بأنها أصبحت كالحجارة، بل أشد قسوة. لأن الحجر قد يتفجر منه الماء، أو يهبط من خشية الله، أما القلب القاسي فلا يلين لموعظة.
وتختتم الآيات بالتحذير من فريق من العلماء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، لتكتمل صورة الفساد: فساد في السلوك (العامة)، وفساد في العلم (العلماء).
الآيات الختامية للمقطع:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)﴾
الخاتمة: كيف نحمي قلوبنا من التحجر؟
إن قصة البقرة هي جرس إنذار لكل مسلم. الطريق إلى قسوة القلب يبدأ بـ "التسويف" في تنفيذ أمر الله، ويمر بـ "التعلق بالماديات"، وينتهي بـ "الجدال".
فاللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ونسألك قلباً حياً يرى آياتك فيبادر بالسمع والطاعة.

تعليقات
إرسال تعليق
بسم الله الرحمن الرحيم
مرحبًا بك في هداية القرآن
نرحب بكل تعليقٍ يُثري الحديث، أو يحمل سؤالاً، أو حتى كلمة شكر. سيتم نشر تعليقك بعد مراجعته إن شاء الله، حرصًا على طهارة المكان واحترام القارئ الكريم.
> جزاك الله خيرًا، وجعل هذا الموقع سببًا في نفعك ونفع غيرك.