التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة البقرة (75–100): رحلة الكشف عن خبايا النفوس.. التحريف، العناد، ونقض العهود

سورة البقرة (75–100): رحلة الكشف عن خبايا النفوس.. التحريف، العناد، ونقض العهود

قراءة في سورة البقرة (75–100) وكيف يتحول الدين إلى تجارة؟

​مقدمة: حينما يُفصل الدين على مقاس الهوى

​في رحلة القرآن لبناء الشخصية المسلمة المتزنة، يتوقف بنا السياق في سورة البقرة عند محطة خطيرة جداً، وهي محطة "التلاعب بالنصوص". الآيات من 75 إلى 100 لا تحكي مجرد قصة تاريخية لبني إسرائيل، بل تشرح لنا كيف يمكن للنفس البشرية أن تصل لمرحلة "تحريف الكلم" و"انتقاء الأحكام" بما يوافق مصالحها الدنيوية.

​سنناقش في هذا الطرح العميق أربع قضايا كبرى: جريمة التحريف العلمي، وهم النجاة من النار، التناقض في تطبيق الدين (نؤمن ببعض ونكفر ببعض)، وأخيراً التحدي النفسي المرعب: تمني الموت.

​المحور الأول: خيانة الأمانة العلمية وبيع الوهم

​تبدأ الآيات بقطع الأمل في إيمان قوم جعلوا من الدين حرفة للتكسب. القرآن هنا يكشف عن أخطر أنواع الفساد: "فساد النخبة العالمة". فالكارثة ليست في الجهل، بل في أن يعلم الإنسان الحق (عقلوه) ثم يحرفه عمداً. كما تفضح الآيات ظاهرة "الأميين" الذين لا يأخذون من الدين إلا "الأماني" والأوهام التي تريح ضمائرهم، بينما يتاجر علماؤهم بالكتب ويكتبونها بأيديهم ليشتروا بها ثمناً قليلاً من حطام الدنيا.

يقول الله تعالى كاشفاً هذه الحقائق:

​﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُم يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79)﴾


​المحور الثاني: "لن تمسنا النار".. غرور التدين الشكلي

​من أخطر الأمراض النفسية التي تعالجها هذه الآيات هو "الأمن من مكر الله". لقد ظن هؤلاء أن مجرد انتمائهم لنسل الأنبياء سيحميهم من النار، فقالوا بجرأة: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً).

يأتي الرد الإلهي ليضع قانوناً كونياً للعدالة: لا محاباة في الآخرة. الجنة ليست حكراً لنسب أو قبيلة، بل هي لمن آمن وعمل صالحاً، والنار لمن أحاطت به خطيئته.

اقرأ هذا الحوار القرآني الحاسم:

​﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)﴾


​المحور الثالث: التدين الانتقائي.. نؤمن ببعض ونكفر ببعض

​ينقلنا السياق إلى الميثاق الغليظ. تطلب الشريعة حزمة متكاملة من الأخلاق: عبادة الله، بر الوالدين، الإحسان لليتامى، والقول الحسن. لكن بني إسرائيل وقعوا في فخ "التجزئة".

فهم يقتلون بعضهم بعضاً (مخالفة للتوراة)، فإذا وقع أحدهم أسيراً دفعوا الفدية لتحريره (تطبيقاً للتوراة)! هذا التناقض الصارخ هو ما سماه القرآن: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. الجزاء هنا مرعب: خزي في الدنيا قبل عذاب الآخرة.

تأمل تفاصيل الميثاق وكيف تم نقضه:

​﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (86)﴾


​المحور الرابع: الحسد الذي أعمى البصيرة

​تستعرض الآيات تاريخاً طويلاً من الصدام مع الأنبياء، وصل إلى حد القتل. وحين جاءهم النبي الخاتم ﷺ، وكانوا يستفتحون به (ينتظرونه)، كفروا به لا لشيء إلا "بغياً وحسداً" لأن الوحي نزل على العرب ولم ينزل عليهم.

تشرح الآيات كيف تحول العلم لديهم إلى سبب للكفر بدلاً من الإيمان، وكيف تشربت قلوبهم حب العجل قديماً، وحب الدنيا حديثاً.

النص القرآني الموضح لهذا الصراع:

​﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءَكُم مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (93)﴾


​المحور الخامس: اختبار الموت.. كاشف الأسرار

​هنا يضع القرآن "الترمومتر" الحقيقي للإيمان بالآخرة. إذا كنتم تزعمون أن الجنة لكم خالصة، فتمنوا الموت! إنه تحدٍ نفسي مرعب، كشف حقيقة تعلقهم بالدنيا، لدرجة أن أحدهم يود لو يعيش ألف سنة. هذا الحرص على الحياة هو دليل قاطع على خواء اليقين في قلوبهم.

يقول الله تعالى في هذا التحدي:

​﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)﴾


​المحور السادس: عداوة الملائكة ونهاية العهود

​يختتم المقطع ببيان سخافة العقل الذي يعادي جبريل عليه السلام، وكأن الوحي تصرف شخصي من الملك وليس أمراً إلهياً! ثم يؤكد القرآن الحقيقة المرة: كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم. هذه "الاستمرارية" في نقض العهود هي صفة ملازمة لمن لا يؤمن.

الآيات الختامية للمقطع:

​﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)﴾


​خاتمة: درس في الشمولية

​تعلمنا هذه الآيات أن الدين ليس "بوفيه مفتوح" نختار منه ما يعجبنا ونترك ما لا يعجبنا. الإسلام هو الاستسلام الكامل لأمر الله، ظاهراً وباطناً. فالحذر الحذر من أن نكون ممن يقولون (سمعنا وعصينا)، أو ممن يأخذون من الدين مظاهره ويتركون جوهره.

بقلم  هداية القرآن 

  • الموقع: بغداد، العراق.
  • التاريخ: نوفمبر 2025.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قواعد النصر الخمسة: كيف تصنع الإرادة الـمؤمنة التغيير في زمن التحديات؟

  قواعد النصر الخمسة: كيف تصنع الإرادة الـمؤمنة التغيير في زمن التحديات؟ ​مقدمة: هل النصر مجرد قوة عددية؟ ​في عالم يقدس القوة المادية والكثرة العددية، قد يشعر المؤمن أحياناً بالضعف أمام التحديات الكبرى، سواء كانت تحديات شخصية (ذنب، مرض) أو تحديات عامة (ظلم، فساد). هل النصر مرهون بالدبابات والجيوش فقط؟ ​القرآن الكريم يجيب بوضوح: النصر له "قوانين ثابتة" لا تتغير بتغير الزمان والمكان. هذه القوانين ليست سحراً، بل هي منهج روحي وعملي. إذا التزم به الفرد أو المجتمع، تحقق له التمكين. ​إليك أهم خمسة قواعد للنصر والتمكين، مستخلصة من تجارب الأنبياء والمؤمنين الصادقين: ​القاعدة الأولى: التطهير قبل التمكين (قانون النهر) ​النصر يبدأ من الداخل، بتطهير النفس وتنقيتها. ​ الفكرة الجوهرية: لا يُمكّن الله قوماً في الأرض قبل أن يُمكّنهم من أنفسهم. لا يمكن لقائد أن يقود جيشاً وهو مغلوب على أمره أمام شهوة أو معصية بسيطة. ​ الدليل من القرآن: نرى هذا بوضوح في قصة طالوت وجنوده ، حيث كان "اختبار النهر" هو أول امتحان. لم يكن اختبار قوة جسدية، بل كان اختبار انضباط إرادة . القلة الت...

الخاتمة الكبرى: حرب الربا، دستور الدَّين، ودعاء المؤمنين (تفسير أواخر سورة البقرة 275-286)

    الخاتمة الكبرى: حرب الربا، دستور الدَّين، ودعاء المؤمنين (تفسير أواخر سورة البقرة 275-286) ​مقدمة: النهاية التي هي بداية ​بعد رحلة تشريعية طويلة في سورة البقرة، نصل إلى خاتمتها التي تختزل العقيدة، والتشريع، والمنهج. هذا المقطع الأخير (من الآية 275 حتى 286) يضع القوانين النهائية التي تحمي المجتمع المسلم من الانهيار الاقتصادي (الربا)، والاجتماعي (الدَّين)، والروحي (الشك). ​إنها آيات تحمل أثقل التحذيرات وأعظم الأماني. هي نهاية السورة، لكنها بداية لـ "حياة اليقين" لكل من تدبرها. ​أولاً: آيات الربا.. إعلان الحرب على النظام الاقتصادي الفاسد ​تأتي آيات الربا لتحسم الجدل حول نظام المال في الإسلام. الربا ليس مجرد فائدة مالية، بل هو "نظام يهدد وجود المجتمع" لأنه يثري الغني ويسحق الفقير. ​ التحليل العَقدي: القرآن يصف أكل الربا بأنه وقوف في وجه الخالق (يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ). والأخطر هو إعلان الحرب الصريح من الله ورسوله على من لا ينتهي عنه، في مقابل وعد الله للمنفقين بالبركة. ​ 📖 النص القرآني الكامل (275 - ...

آياتٌ تُحيي القلوب: تدبّر وتفسير آيات سورة البقرة (25–50) — بين بشارة المؤمنين وعِبر بني إسرائيل

 **آياتٌ تُحيي القلوب: تدبّر وتفسير آيات سورة البقرة (25–50) — بين بشارة المؤمنين وعِبر بني إسرائيل*   مقدمة: من أين جئنا؟ وإلى أين المصير؟ ​حينما نفتح كتاب الله، لا نبحث فقط عن الأجر، بل نبحث عن "إجابات". في الآيات من 25 إلى 50 من سورة البقرة، يقدم لنا القرآن "قصة الوجود" كاملة. تبدأ الآيات بتبشير المؤمنين، ثم تنتقل لتضرب أمثالاً تتحدى العقل البشري، لتأخذنا بعدها في رحلة عبر الزمن إلى "اللحظة صفر" (خلق آدم)، وتنتهي بوضع اليد على الجرح البشري الأزال: التناقض بين القول والعمل. ​في هذا المقال، سنعيد قراءة هذه الآيات بعين الباحث عن الحقيقة، لنفهم فلسفة الاستخلاف في الأرض، ونتعلم من أخطاء من سبقونا. ​المحور الأول: تحدي العقل.. البعوضة والإيمان بالغيب ​يفتتح المقطع ببشارة عظيمة للمؤمنين، ثم ينتقل مباشرة لمعالجة قضية "الشك واليقين". حينما ضرب الله مثلاً بالبعوضة، استهزأ المنافقون وقالوا: (ماذا أراد الله بهذا؟). هنا يظهر الفارق الجوهري بين عقليتين: ​ عقلية التسليم (المؤمن): يعلم أن وراء كل مثل حكمة، ولو صغرت. ​ عقلية الاعتراض (الكافر): يحاكم ...