تأملات في أوائل سورة البقرة – خريطة النجاة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة: اعرف نفسك قبل أن تقرأ
عندما تفتح سورة البقرة، أنت لا تقرأ كتاباً عادياً، بل تقف أمام مرآة كاشفة.
في أول 25 آية، لا يقدم الله لنا مجرد تعليمات، بل يقدم لنا "خريطة للبشر". يقسم القرآن الناس إلى ثلاثة أصناف لا رابع لهم: صنف حي القلب (المتقين)، وصنف ميت القلب (الكافرين)، وصنف مريض القلب (المنافقين).
هذا المقال ليس مجرد تفسير، بل هو دعوة لتكتشف: في أي خانة تقف أنت اليوم؟
الصنف الأول: أصحاب البصيرة (الاتصال بالسماء)
تبدأ السورة بحروف مقطعة (الم) لتعلن التحدي، ثم تصف الكتاب بأنه (لا ريب فيه). ولكن، من يستفيد من هذا الكتاب؟ إنهم "المتقون".
أهم ميزة ذكرها الله لهؤلاء ليست كثرة الصلاة أو الصيام فقط، بل (الإيمان بالغيب).
في عالم مادي مجنون لا يؤمن إلا بما يراه، يأتي المؤمن ليرى بقلبه ما لا تراه عيناه. هؤلاء هم الذين امتلكوا "شفرة النجاح" في الدنيا والآخرة: اتصال بالله (صلاة)، وعطاء للمجتمع (إنفاق)، ويقين بالمصير (الآخرة).
الآيات الكريمة (1-5):
﴿الم (1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)﴾
الصنف الثاني: القلوب المشفرة (انقطاع البث)
الصنف الثاني هم النقيض تماماً. المشكلة لديهم ليست في قلة الذكاء، بل في "العناد".
يستخدم القرآن تعبيراً مرعباً وهو (الختم). عندما يصر الإنسان على رفض الحق بملء إرادته، يغلق الله منافذ المعرفة لديه (القلب، السمع، البصر). فيصبح كالآلة المعطلة، يرى الآيات فلا يبصرها، ويسمع النذر فلا يعقلها. إنه قرار إلهي عادل بـ "تشفير" قلوبهم نتيجة لاختيارهم الحر للكفر.
الآيات الكريمة (6-7):
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)﴾
الصنف الثالث: الخطر الخفي (المنافقون)
إذا كان الكافر عدواً واضحاً، فإن المنافق هو العدو "الحرباء".
لاحظ أن القرآن تحدث عن الكفار في آيتين فقط، لكنه تحدث عن المنافقين في 13 آية كاملة! لماذا؟ لشدة خطرهم.
هؤلاء يعيشون صراعاً نفسياً مريراً، يسميه القرآن (مَرَضٌ). هم يحاولون خداع الله والمؤمنين، لكنهم في الحقيقة يمارسون الخداع الذاتي.
ضرب الله لهم مثلين عبقريين:
- مثل ناري: استوقد ناراً فأضاءت، ثم انطفأت فجأة (حيرة فكرية).
- مثل مائي: مطر ورعد وبرق، يمشون خطوة في الضوء ويتوقفون في الظلام (تذبذب سلوكي).
الآيات التي تفضح النفاق (8-20):
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)﴾
المحور الرابع: النداء العالمي والتحدي الخالد
بعد هذا التصنيف، يوجه الله النداء للبشرية جمعاء (يا أيها الناس): اعبدوا الرب الذي خلقكم ورزقكم.
ثم يضع "الختم المنطقي" على صحة القرآن: التحدي.
إن كنتم تشكون في هذا الكتاب، فأتوا بسورة واحدة مثله! عجزت العرب قديماً، وتعجز البشرية حديثاً. وتختتم الآيات بالبشارة العظيمة للمؤمنين بالجنات التي فيها ما لا عين رأت.
الآيات الكريمة (21-25):
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)﴾
خاتمة:
إن سورة البقرة في بدايتها تضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما اليقين والعمل (طريق المتقين)، وإما الشك والتذبذب (طريق المنافقين).
اللهم اجعلنا من أصحاب "ذلك الكتاب"، وارزقنا بصيرة المتقين.
والحمد لله رب العالمين.
بقلم:هداية القرآن
العراق بغداد
نوفمبر 2025

تعليقات
إرسال تعليق
بسم الله الرحمن الرحيم
مرحبًا بك في هداية القرآن
نرحب بكل تعليقٍ يُثري الحديث، أو يحمل سؤالاً، أو حتى كلمة شكر. سيتم نشر تعليقك بعد مراجعته إن شاء الله، حرصًا على طهارة المكان واحترام القارئ الكريم.
> جزاك الله خيرًا، وجعل هذا الموقع سببًا في نفعك ونفع غيرك.